حماة- نظم أهالي حي المدينة في حماة -وهي أحد أقدم الأحياء الأثرية في المدينة والمجاور لقلعة حماة التي يعود تاريخها إلى مئات السنين- معرضا تصويريا وتعريفيا يوثق الدمار الذي لحق بالمسجد الأعلى الكبير وكنيسة مار جرجس للروم الأرثوذكس خلال أحداث عام 1982.

وأقيم المعرض -الذي استضافته صالة مطرانية حماة للروم الأرثوذكس يوم الاثنين الماضي، حيث قُدّمت خلاله صور تعرض للمرة الأولى وتُظهر حجم الدمار الذي طال المعلمين الدينيين خلال تلك الفترة.

وبحسب الصور المعروضة، تعرض المسجد والكنيسة لدمار كامل، ولم يتبقَ منهما سوى بقايا من الجدران، مما عكس حجم الدمار الذي طال المعالم التاريخية والدينية للمدينة.

وسلط المعرض الضوء على القيمة التاريخية والروحية لهذين المعلمين اللذين كانا رمزا للتعايش بين أبناء المدينة من مختلف الأديان، قبل أن تطالهما عمليات التدمير التي قامت بها “قوات سرايا الدفاع” بقيادة رفعت شقيق حافظ الأسد، وقد أعاد المعرض إلى الأذهان صورة هذه الأماكن قبل عام 1982، مبرزا الدور الذي لعبته في حياة الأهالي قبل التدمير.

خروج الصور المخبأة

نوفل نوفل مصور من حي المدينة في حماة وثّق هذه الصور لكل من المسجد والكنيسة منذ 43 عاما وأخفاها طوال هذه الأعوام ليعرضها للمرة الأولى في هذا المعرض، ليُظهر إجرام نظام الأسد على مر السنوات.

وفي لقاء للجزيرة نت، قال نوفل “كنت أعمل مصورا منذ انتهائي من خدمتي الإلزامية، وكنت أوثّق إعمار كنيسة مار جرجس في حماة أثناء بنائها حتى عام 1982 وتفجيرها بالكامل، وبعد انتهاء قوات الأسد من تفجير الكنيسة بالإضافة إلى الكنيسة الإنجيلية والمسجد الكبير ومساجد أخرى صورت ووثقت هذه المشاهد عبر كاميرتي التي كنت أخبئ أفلامها المصورة (شريط الصور) بين أفلام صور المناسبات والأعراس التي كنت أصورها بحكم عملي مصورا بالمناسبات في حماة، خوفا من اعتقالي أو اكتشاف هذه الوثائق لدي”.

**للاستخدام الداخلي*** صورة ما تبقى من الجامع النوري الذي دمرته قوات حافظ الأسد أثناء ارتكابها مجزرة حماة عام 1982 - المصدر: كتاب حماة مأساة العصر

وأوضح أنه عمل على توزيع هذه النسخ من الأفلام والصور في محلات متنوعة لضمان عدم ضياعها على مر السنين.

وعن الصور التي قُدّمت في المعرض، بدأ حديثه عن القبة المدمرة للكنيسة التي تم تفجيرها، قائلا إنه استطاع أخذ الصور من الأسفل رغم خطورة وقوعها عليه، كما أشار إلى صور للكنيسة تُظهر قبل التدمير وبعده، وكيف تحولت إلى ركام.

كما وثّق بعض صوره في ذلك العام إبان مجازر النظام في حماة في 1982 من أسطح المنازل خوفا من رؤيته وهو يصور، وقد ظهر في بعض الصور الملتقطة دمار المسجد الأعلى الكبير الذي يقع بجانب الكنيسة، ومحله الذي كان يعمل فيه مصورا (أستوديو الخيّام) الذي سُرق من قبل عصابات من نظام الأسد ثم أُحرق.

الانتقام بتدمير الآثار

وعن تاريخ هذه المعالم التي دمرتها قوات الأسد في مجزرة حماة -والتي تعتبر من أهم الآثار في حماة كما هي نواعير المدينة وقلعتها- قال خالد مراد آغا -وهو سكان حي المدينة وأحد الباحثين في تاريخ هذه المعالم- للجزيرة نت إنه “في عام 1982 في الأيام الأولى للمجزرة تم تبليغ الأهالي في الحي قبل ربع ساعة أنهم سيقومون بتفجير المسجد الكبير، ولم يصدّق الأهالي ذلك حينها بسبب أن قيمة هذا المعلم دينيا وأثريا كبيرة، لكنهم هدموا 90% منه، وكانت من أشد اللحظات الحزينة حينها”.

وبعد سقوط الأسد رغب أهالي الحي بالتعاون مع المطرانية والمسجد في تقديم هذه الصور وتوثيقها وأرشفتها لتبقى ذكرى للتاريخ، وليعلم العالم ما حصل في حماة حينها تجاه مختلف الأديان، خاصة أنه حينها لم تكن هناك تكنولوجيا أو توثيقات لجرائم النظام السابق في حماة، لكن أصبح الآن باستطاعتهم ذلك.

وعن تاريخ مسجد حماة الكبير “المسجد الأعلى” فهو -كما يقول خالد- “يعتبر خامس مسجد في الإسلام من حيث القدم، وقيمته الإسلامية كبيرة واعتبارية لدى الأهالي في سوريا وفي حماة بشكل خاص، لكنهم رغم ذلك أقدموا على تدميره غير آبهين بأثرية هذا المعلم”.

بدوره، أكد إمام مسجد الجامع الكبير الشيخ أسامة أكد أن المسجد هُدم بشكل شبه كامل على أيدي نظام الأسد في 1982، علاوة على تدمير 40 مسجدا آخر، وأيضا الكنيسة، ولكن ما هو عليه اليوم من بناء فهو إعادة بناء كامل للمسجد كما كان عليه سابقا إلى حد كبير من الشبه، سعيا للحفاظ على معالمه السابقة وأصوله الإسلامية، وهو مستمر حتى اليوم.

رائد الصباغ -وهو فنان تشكيلي من منظمي المعرض وموثّق للأحداث ومن القاطنين جانب الكنيسة التي هدُمت- قال “حماة عاصرت العديد من الأحداث ابتداء من 1964 وحتى بداية أحداث حماة في 1979 إلى مجزرتها في 1982”.

وأضاف الصباغ “خلال هذه الأحداث كان الطابع الغالب في المحافظة هو التآخي والتوحد بين أبناء الديانة المسيحية والإسلامية، ففي أحداث حماة بعد حسم الأمر لصالح قوات حافظ الأسد وعقب تفجير معظم مساجد حماة كانت هناك 4 كنائس في حماة، منها كنيسة جاورجيوس التي كانت كاتدرائية واتخذ قرار بنائها في عام 1922 ميلادي، وتم جمع أموال بنائها حتى إعمارها في 1982”.

وتابع “وبعد مرور 60 عاما من البناء والجمع وقبل أن يقام فيها أي قدّاس أو صلاة تم تفجيرها من قبل حافظ الأسد بأمر مباشر منه إلى ضابط اسمه محمد علي ياسمين، وهو المسؤول بشكل شخصي عن تفجيرها في 18 شباط 1982، وكانت الكنيسة تحفة فنية من الداخل رسمها 4 من الأساقفة الرومان، كبيرهم يدعى الأب سوفيان”.

وتابع “في اليوم التالي من تفجير الكنيسة تم تفجير المسجد الأعلى الكبير الذي يعود تاريخ بنائه إلى الألف الأولى قبل الميلاد، هذا المسجد الذي مر بمراحل تاريخية كبيرة، إذ كان معبدا لجوبيتير (معبد وثني) ثم تحول إلى كنيسة وأصبح بعد ذلك معبدا للإله بارقوس، وفي عام 636 ميلادي دخل الصحابي أبو عبيدة بن الجراح دخل حماة صلحا وهادن أهلها، فتحول المعبد منها إلى مسجد”، بحسب الصباغ.

وأضاف “بعد تفجير المسجد أعيد بنائه بكل أمانة من قبل أهالي حماة، إذ تمت إعادة الصلبان الموجودة في مئذنة المسجد كما هي، وأعادوا “جرن المعمودية” كما كان عليه قبل التفجير، ولم يتم تغيير أي معلم في المسجد بشكل نهائي، وهذا دليل كبير على التلاحم الكبير بين المسلمين وأبناء الديانة المسيحية في حماة، والحفاظ على تاريخ وعراقة معالم كل من الأديان”.

وعن التآخي بين أهالي الحي، قال الصباغ إن إحدى نساء حي المدينة خبّأت أحد المتظاهرين من المسلمين في منزلها إبّان المظاهرات المناهضة لحكم بشار الأسد في حماة، وبعد 10 أعوام ومع سقوط الأسد عاد هذا الشاب يبحث عن هذه المرأة لشكرها على حمايته من قوات الأمن التابعة لقوات الأسد حينها.

وتميز المعرض بحضور واسع من شرائح المجتمع في حماة، من أهالي الأحياء، ورجالات الدين، وممثلين عن الحكومة السورية بمحافظة حماة.

وفي السياق ذاته، تواصل محافظة حماة العمل على إعادة ترميم المعالم الدينية ضمن حملتها التي أطلقتها منذ شهر تقريبا “حماة تنبض من جديد”، والتي يجري من خلالها ترميم مسجد السلطان ذي الرمزية الثورية والأثرية في حماة، والذي هدمته القوات السورية في 1964 فوق رؤوس الأهالي إبّان استلام حافظ الأسد منصب وزير الدفاع، كذلك بدأت مديرية الأوقاف في حماة حملة لتنظيف وإعادة تأهيل المساجد في عموم المحافظة استعدادا لاستقبال الشهر المبارك.

شاركها.
Exit mobile version