باريس- مع اقتراب موسم العودة إلى المدارس وما يحمله من آمال وتطلعات للتلاميذ وأسرهم حول العالم، تكشف فرنسا عن واقع قاس يناقض هذه الأجواء، فهناك أكثر من ألفي طفل ينامون كل ليلة في الشوارع، بلا مأوى ولا سرير يضمن لهم أبسط حقوق الطفولة.

جاء ذلك عقب تقرير مشترك أصدرته منظمة اليونيسيف في فرنسا واتحاد العاملين في التضامن (FAS) بالتعاون مع جمعية جمعيات السكن (CAL)، تناول واقع أطفال الشوارع في البلاد.

وقد أثار التقرير تساؤلات عدة وإشارات مقلقة بشأن الخلل البنيوي في السياسات الاجتماعية، وفي حين تتواصل التحذيرات قبيل مناقشة موازنة العام الجديد، تظل أعين آلاف العائلات، محدودة أو منعدمة الدخل، معلقة على وعود أعلنت ولم تتحقق، وأطفال يواجهون شتاء قادما دون أي ضمانات واضحة سوى الانتظار.

أرقام صادمة

ويوضح هذا المؤشر الجديد وجود 2159 طفلا، بينهم 503 أطفال دون سن الثالثة، يواجهون طفولة تتآكل وحقوقا بسيطة تنهار أمام عتبة الرقم 115، الذي تتلقى منه الدولة نداءات الاستغاثة.

وللعام السابع على التوالي، أكدت اليونيسيف أن الوضع يتفاقم بشكل مستمر رغم الوعود المتكررة من الحكومات المتعاقبة، وتمثل هذه الأرقام زيادة بنسبة 6% في عدد الأطفال الذين لا مأوى لهم مقارنة بالعام الماضي، وزيادة بنسبة 30% منذ عام 2022، وهو العام الذي التزمت فيه الحكومة بتحقيق هدف “القضاء التام على أطفال الشوارع”.

كما أفادت الغالبية العظمى من أصحاب الأسر (79%) بأنهم ينامون في الشوارع في اليوم السابق للاتصال بالرقم 115، مما يدل على ترسيخ تجربة العيش في الشوارع.

علما أن هذه الأرقام لا تشمل القُصر المشردين غير المصحوبين بذويهم، والأسر التي تعيش في مساكن عشوائية أو أحياء عشوائية، فضلا عن الأشخاص الذين لا يستخدمون الرقم 115 أو لا يستطيعون الاتصال به.

وخلال العام الماضي لقي 885 شخصا حتفهم في الشوارع، منهم 31 طفلا، وفي ظل الاكتظاظ المزمن في ملاجئ الطوارئ، يجد -حتى أكثر الأشخاص ضعفا كالنساء الحوامل، أو من يرافقهم من الصغار-، أنفسهم بلا حل بشكل متزايد.

تفاقم صامت

وقد قالت أدلين هازان، رئيسة منظمة اليونيسيف في فرنسا في مقابلة تلفزيونية -الجمعة- “نحصي عدد الأشخاص الذين اتصلوا برقم الطوارئ 115، وتلقوا ردا سلبيا خلال ليلة واحدة، عادة ما يتم ذلك في شهر أغسطس/آب، مضيفة أن “هذا يعني أن الأرقام التي نقدمها اليوم، والتي تُشير إلى 2259 طفلا، هي بالضرورة أقل من الأرقام الحقيقية”.

وبالإضافة إلى أطفال الشوارع، يبدو الوضع أكثر مأساوية على أرض الواقع إذ يوجد أطفال آخرون بلا مأوى وفي الفنادق، مما يرفع العدد إلى 43 ألفا و500 طفل بلا مأوى، وفق هازان.

وأوضحت رئيسة اليونيسيف بفرنسا أن إحصاء أجراه المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية عام 2012 كشف عن وجود 30 ألف طفل مشرد، مما يعني أن أعداد هؤلاء الأطفال ارتفع بنسبة 52% بين عامي 2012 و2025.

وزيادة على مأساة الافتقار إلى حلول سكنية، يواجه هؤلاء الأطفال صعوبات أخرى لا تقل أهمية، بما في ذلك ضغوط التنقل القسري من مكان إلى آخر، عدم القدرة على الاستحمام، بالإضافة للعزلة والتسرب الدراسي.

لا تشكل أقاليم ما وراء البحار استثناء من أزمة السكن والتشرد في فرنسا، ففي مايوت (مقاطعة فرنسية تقع في المحيط الهندي كجزء من أرخبيل جزر القمر) يعيش ثلث السكان في مساكن غير مستقرة، في حين سجلت مؤسسة الإسكان للمحرومين (المعروفة سابقا باسم “آبي بيير”) في جزيرة ريونيون أكثر من ألف طفل بلا مأوى العام الماضي، بينهم 300 دون سن الثالثة.

ووفقا لبيانات المؤسسة لعام 2023، يواجه نحو 600 ألف شخص في المقاطعات الخارجية أوضاعا مرتبطة بسوء السكن أو التشرد، أي ما يعادل 3 من كل 10 سكان.

حق المأوى

وتُظهر الأرقام أن تشبع أنظمة الإيواء، إلى جانب تفاقم أزمة السكن، خلف عواقب وخيمة في عدة مناطق أبرزها إيل دو فرانس، أوفرن رون ألب، أوكسيتاني، وهو دو فرانس، حيث تتركز النسبة الكبرى من العائلات المشردة.

وقد نبهت الجمعيات والخدمات الاجتماعية إلى التزايد اللافت في أعداد الأسر التي تُضطر إلى قضاء الليل في العراء أو في ظروف غير إنسانية داخل فنادق متداعية أو صالات رياضية أو خيام مؤقتة.

وتشير تقديرات اليونيسيف واتحاد الفاعلين التضامنيين إلى وجود عجز مالي يصل إلى 250 مليون يورو للحفاظ على حجم المساكن الحالية حتى نهاية هذا العام، مما يجعل الأمهات العازبات مع أطفالهن وغيرهن من الفئات الهشة أول ضحايا هذا الخلل البنيوي.

أمام هذا الواقع، رفعت رابطة جمعيات الإسكان دعوتين قضائيتين ضد الدولة بتهمة التقصير في مسؤولياتها وإهمال واجبها في مساعدة المتضررين من أوضاع السكن غير الملائمة.

وفي ظل النقاشات الدائرة حول مشروع قانون المالية لعام 2026، تجدد المنظمات الإنسانية دعوتها للحكومة الفرنسية من أجل وضع خطة وطنية شاملة تضمن تعزيز السكن الاجتماعي وزيادة سريعة في أماكن الإيواء الملائمة لاحتياجات الأطفال والعائلات.

شاركها.
Exit mobile version