بعد “النكسة” بشهور قليلة وفي بدايات عام 1968 نزلت مجموعة من اليهود الإسرائيليين لأول مرة في فندق النهر الخالد بمدينة الخليل التي تقع في الضفة الغربية إلى الجنوب من القدس الشريف بنحو 35 كيلومترا، وذلك لقضاء أيام عيد الفصح بالتنسيق مع جيش الاحتلال.

وكان المفترض أن تكون زيارة سريعة بغرض السياحة، لكن هذه المجموعة بقيت ورفضت المغادرة لتؤسس أول بؤرة استيطانية في الخليل.

يبلغ عددهم 73 يهوديا، ويتزعمهم الحاخام اليهودي المتطرف موشيه لفينغر الذي سيصبح لاحقا الأب الروحي لحركة الاستيطان في الخليل ثم في سائر أنحاء الضفة الغربية، وسوف يؤسس في عام 1974 منظمة “غوش إيمونيم” وتعني “كتلة الإيمان”، والتي ستأخذ على عاتقها دعم حركة الاستيطان في مناطق الضفة الغربية.

وبعد عيد الفصح المذكور رفضت هذه المجموعة إخلاء الفندق واعتصمت داخله، وتلقت دعما عبر زيارات كثيفة من رجال دين وساسة إسرائيليين أظهروا تأييدهم لمشروع “لفينغر” الاستيطاني في الخليل.

وعلى الرغم من أن الحكومة الإسرائيلية -التي كانت تحكمها أحزاب اليسار في ذلك الوقت- قد عارضت هذا المشروع فإنه وبسبب صعوبة حماية هذه المجموعة في قلب المدينة وتعرّض الفندق لهجمات من شبان فلسطينيين ألقوا عليه الحجارة ومواد حارقة صادرت قيادة جيش الاحتلال قطعة أرض كبيرة تقع إلى الشرق من الخليل وبعيدة نسبيا عن الحيز العمراني في ذلك الحين، ومنحتها لهم ليضعوا فيها اللبنات الأولى لمستوطنة “كريات أربع” التي ستصير لاحقا معقلا للمتطرفين اليهود من أنصار “الصهيونية الدينية”.

الاحتلال ينقل إدارة الحرم الإبراهيمي إلى هيئة إسرائيلية

في “كريات أربع” سيؤسس الحاخام اليهودي مائير كاهانا -وهو أحد أبرز قيادات الصهيونية الدينية- حركة (كاخ) المتطرفة، والتي سيخرج منها الطبيب المتطرف باروخ غولدشتاين منفّذ مذبحة المسجد (الحرم) الإبراهيمي في مدينة الخليل عام 1994.

في فجر الجمعة 25 فبراير/شباط 1994 الموافق 15 رمضان 1415 للهجرة وقف المستوطن باروخ غولدشتاين خلف أحد أعمدة المسجد وانتظر حتى سجد المصلون وفتح نيران سلاحه الرشاش عليهم وهم سجود، وفي الوقت نفسه ساعده آخر في تعبئة الذخيرة التي احتوت “رصاص دمدم” المتفجر.

وأسفرت مجزرة الحرم الإبراهيمي عن استشهاد 29 مصليا وإصابة 15 آخرين، قبل أن ينقض مصلون على غولدشتاين ويقتلوه.

وبعد انتهاء المذبحة أغلق جنود الاحتلال الموجودون في الحرم أبواب المسجد لمنع المصلين من الهرب، كما منعوا القادمين من خارج المسجد من الوصول إلى ساحته لإنقاذ الجرحى.

وبعد 31 عاما من المجزرة الأولى أبلغ الارتباط الإسرائيلي وتحديدا في 26 فبراير/شباط 2025 إدارة الحرم الإبراهيمي أن الأعمال في الحرم قد نُقلت من وزارة الأوقاف الفلسطينية إلى هيئة التخطيط المدني الإسرائيلي.

وبموجب القرار الذي أعلنت الأوقاف الفلسطينية رفضه، سيُستأنف العمل في سقف المنطقة المعروفة باسم “الصحن” الخاص بالمسجد الإبراهيمي.

وكان مستوطنون يهود وضعوا خيمة في مكان الصحن قبل 20 عاما، وخصصوها مكانا للعبادة وبقيت قائمة حتى اليوم، إذ يطالب المستوطنون ببناء سقف للصحن وتخصيصه رسميا مكانا للعبادة.

وبالفعل، كانت قوات الاحتلال قد شرعت في سقف الصحن بألواح الزينكو في 9 يوليو/تموز 2024، لكنها أوقفت العمل بعد يومين إثر احتجاجات فلسطينية.

رمزية الخليل والمسجد الإبراهيمي

من الخليل بدأ الاستيطان في الضفة الغربية، وفي الخليل معقل مستوطنات التيارات اليمينية المتطرفة، وهناك أيضا الحرم الإبراهيمي الذي يسميه اليهود “مغارة المكفيلة” أو “كهف البطاركة”، وهو أقدم بناء مقدس مستخدم حتى اليوم دون انقطاع تاريخي، وهو رابع الأماكن المقدسة عند المسلمين، وثاني الأماكن المقدسة عند اليهود بعد ما يسمونه “جبل الهيكل” حيث يقع المسجد الأقصى الشريف.

هذا ما يجعل المعركة على الخليل وعلى المسجد الإبراهيمي تبدو أعقد وأهم المعارك في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وأكثرها رمزية بعد المعركة على القدس والمسجد الأقصى.

وينسب المسجد (الحرم الإبراهيمي) إلى النبي إبراهيم الخليل -عليه السلام- الذي تشير بعض المرويات التاريخية إلى أنه دُفن فيها قبل 4 آلاف عام، وسميت مدينة الخليل باسمه، وفيه قباب مغطاة تقول مصادر تاريخية إنها قبور للأنبياء إبراهيم وزوجته سارة، إضافة إلى إسحاق وإسماعيل ويعقوب ويوسف وزوجاتهم عليهم السلام.

يذكر أن أول محاولة لبدء النشاط الاستيطاني في الخليل بدأت منذ عشرينيات القرن الماضي، لكن تداعيات “ثورة البراق” عام 1929 -وهي أول انتفاضة فلسطينية على محاولة تهويد القدس في عهد الانتداب البريطاني التي تضمنت مصادمات عنيفة بين أهالي مدينة الخليل والمستوطنين اليهود فيها- أدت إلى خروج المستوطنين اليهود منها، بحيث باتت الخليل منذ ذلك الوقت عصية على النشاط الاستيطاني إلى حين احتلال إسرائيل بقية الأرض الفلسطينية في حرب 1967.

تقسيم المسجد

“تشير الأدلة المقدمة لنا إلى أن الدكتور باروخ غولدشتاين تصرف بمفرده، كما أن السرية التامة لعمله وكونه عملا مستقلا بصورة حاسمة ينسجمان مع شخصية هذا المهاجم وسلوكه”.

ورد هذا الكلام في تقرير لجنة “شمغار” التي شكلتها الحكومة الإسرائيلية عام 1994 برئاسة رئيس محكمة العدل العليا الإسرائيلية آنذاك القاضي مئير شمغار، للتحقيق في مذبحة المسجد الإبراهيمي، ولتغلق إسرائيل بذلك الباب أمام المطالبات بتحقيق دولي رغم صدور قرار من مجلس الأمن الدولي يوم 18 مارس/آذار 1994 يدين المجزرة ويدعو إلى اتخاذ إجراءات لحماية الفلسطينيين، بما فيها نزع سلاح المستوطنين.

وتضمّن تقرير اللجنة محاولة لتبرير الحادثة بكونها كانت سلوكا فرديا، كما برأ الجنود الإسرائيليين المكلفين بحراسة المسجد الإبراهيمي من أي مسؤولية عما جرى، واعتبر أنهم لم يثبت تواطؤهم مع الجاني أو مساعدتهم له.

كما قال التقرير إن فحص آلة الكشف عن المعادن -والتي يمر عبرها المصلون- قد أدى إلى اكتشاف أنها كانت معطلة.

كذلك برأ التقرير جنود الاحتلال الذين أغلقوا أبواب المسجد بعد المذبحة ومنعوا المصلين من الخروج، معتبرا أن “إغلاق بوابات المسجد -ولا سيما البوابة الشرقية- من قبل أفراد الجيش كان ضروريا لحماية أنفسهم من الجموع الهائجة التي يمكن أن تتدفق عبر البوابة”.

لكن الأكثر أهمية من ذلك هو توصيات التقرير التي رسخت تقسيم المسجد الإبراهيمي إلى قسمين: القسم المسمى “الإسحاقية”، وهو مخصص لصلاة المسلمين، وبقية المسجد مخصصة لصلوات اليهود، على أن تغلق الحضرة الإسحاقية أمام المسلمين في الأعياد والمناسبات اليهودية، وبلغت مساحة ما خُصص لليهود 56% من المساحة الإجمالية للمسجد الإبراهيمي.

يذكر أن اعتداءات اليهود على حرم المسجد بدأت مبكرا قبل ذلك التاريخ، لكنها اتخذت طابعا رسميا منذ يناير/كانون الثاني 1972 عندما سمحت السلطات الإسرائيلية لليهود رسميا بأداء الصلوات في المسجد بشكل غير تظاهري وفي غير أوقات صلاة المسلمين.

ووفقا لمؤسسة الدراسات الفلسطينية، نظم الحاخام مائير كاهانا مؤسس حركة كاخ في أغسطس/آب 1972 صلاة تظاهرية مع أتباعه بالقرب من المسجد الإبراهيمي.

وقبل نهاية السنة نفسها صلى الحاخام نفسه مع أتباعه داخل الحرم خلال أوقات صلاة المسلمين، ثم في نوفمبر/تشرين الثاني من السنة نفسها قرر الحاكم العسكري الإسرائيلي زيادة عدد الساعات المخصصة لليهود، بحيث أصبحت هذه الصلوات جزءا من الواقع فاقتضى تنظيمها.

لذا، يمكن القول إن التقسيم الزماني للمسجد الإبراهيمي قد بدأ في عام 1972، قبل أن يجري لاحقا التقسيم المكاني.

عقبة المفاوضات

عندما انطلقت مفاوضات السلام بين منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وحكومة الاحتلال الإسرائيلي، والتي انتهت بتوقيع اتفاقية “أوسلو-1″ في عام 1993 و”أوسلو-2” في عام 1995 كان وضع مدينة الخليل استثنائيا في مخرجات عملية التفاوض، نظرا لأهميتها الخاصة لإسرائيل وارتباطها بتوازنات حرجة بين قوى المجتمع الصهيوني، فلم تنسحب إسرائيل من الخليل كما انسحبت من مدن أخرى في الضفة الغربية.

ونصت اتفاقية “أوسلو-2” على أن توضع “ترتيبات خاصة لمدينة الخليل”، وازداد الأمر تعقيدا بعد اغتيال إسحاق رابين في العام نفسه وصعود حزب الليكود اليميني بزعامة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة، ورفض نتنياهو الانسحاب الجزئي من الخليل الذي كان مقررا، وعوضا عن ذلك وقّع مع منظمة التحرير الفلسطينية في 15 يناير/كانون الثاني 1997 ملحقا لاتفاقية أوسلو يسمى “بروتوكول الخليل”، وينظم إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في المدينة.

وقُسّمت الخليل بموجبه إلى منطقتين، هما “الخليل 1” ويرمز لها بـ”إتش 1″، وتشكل نحو 80% من مساحة المدينة، وتخضع للسلطة الوطنية الفلسطينية أمنيا ومدنيا، والأخرى هي “الخليل 2” ويرمز لها بـ”إتش 2″، وتشكل نحو 20% من مساحة مدينة الخليل وتخضع أمنيا للسلطة الإسرائيلية، وتشمل كامل مساحة البلدة القديمة، بما فيها المسجد الإبراهيمي.

ومؤخرا، عادت الخليل مرة أخرى وعاد المسجد الإبراهيمي ليتصدرا واجهة الصراع، ومن المرجح أن يستمر هذا التصدر ضمن محاولة حكومة نتنياهو تنفيذ أجندة دينية تتعلق بجعل إسرائيل دولة يهودية خالصة، واستكمال السيادة على كافة مناطق الضفة الغربية.

ولأن نتنياهو يحاول تثبيت ائتلافه الحكومي الهش عبر إقناع شريكه الأكثر تطرفا بتسلئيل سموتريتش وزير المالية رئيس حزب الصهيونية الدينية بالاستمرار في دعم الائتلاف الحاكم رغم احتمالية تراجع نتنياهو عن وعوده الخاصة له باستئناف الحرب مجددا بعد انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار فإن نتنياهو في المقابل سوف يستمر بتعويض ذلك عبر العديد من الإجراءات التي تلبي المطالب الأيديولوجية للصهيونية الدينية، وسيكون المسجد الأقصى والمسجد الإبراهيمي دائما في قلب هذه الإجراءات.

فإذا كان استيطان الضفة الغربية قد بدأ من الخليل منذ ستة عقود مضت؛ فإن إجراءات تهويد الخليل الحالية، قد تتوج دورة استيطانية، قد تنهي واقع الضفة الذي عهدناه، وهذا ما يتمناه المتطرفون، لكن من جانب آخر؛ قد تشكل محاولات فرض واقع نهائي بتهويد كامل المسجد الإبراهيمي محفزا إضافيا للمقاومة الآخذة في التصاعد بالفعل في الضفة الغربية، والتي رجح معهد ستراتفور أن تشهد انتفاضة مسلحة خلال عام 2025.

شاركها.
Exit mobile version